اسماعيل بن محمد القونوي
12
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
النفس من القرب المقتضية لجزيل الثواب ) تعلم الألفاظ إشارة إلى علم متن اللغة ومعانيها القرائح وكد النفس من القرب المراد من الاجتهاد ليس الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها بل المراد به السعي والجهد في تعلم علم العربية ولو نزل على كل أمة كتاب بلسانهم لفات القرب الحاصلة من الاجتهاد إذ لا اجتهاد ح في تعلم ذلك اللسان لعدم احتياجهم إلى الاجتهاد في ذلك لكون معاني لغات لسانهم حاصلة لهم بالسماع من يخالطونهم حال صغرهم ولهم ملكة الاقتدار على التكلم من غير كد وجد في التعلم وفي الكشاف ليبين لهم أي ليتفقهوا عنه ما يدعوهم إليه فلا يكون لهم حجة على اللّه ولا يقولوا لم نفهم ما خوطبنا به كما قال ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت به ثم قال فإن قلت لم يبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى العرب وحدهم وإنما بعث إلى الناس جميعا قل يا أيها الناس إني رسول اللّه إليكم جميعا بل إلى الثقلين وهم على ألسنة مختلفة فإن لم يكن للعرب حجة فلغيرهم الحجة وإن لم يكن لغيرهم حجة فلو نزل بالعجمية لم يكن للعرب حجة أيضا قلت لا يخلو إما أن ينزل بجميع الألسنة أو بواحد منها فلا حاجة إلى نزوله بجميع الألسنة لأن الترجمة تنوب عن ذلك وتكفي التطويل فبقي أن ينزل بلسان واحد وكان أولى الألسنة لسان قوم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأنهم أقرب إليه فإذا فهموا عنه وتبينوه وتنوقل عنهم قامت التراجم ببيانه وتفهيمه كما ترى الحال وتشاهدها من نيابة التراجم في كل أمة من أمم العجم مع ما في ذلك من اتفاق أهل البلاد المتباعدة والأقطار المتنازحة والأمم المختلفة والآجيال المتفاوتة على كتاب واحد واجتهادهم في تعلم لفظه وتعلم معانيه وما يتشعب من ذلك من جلائل الفوائد وما يتكاثر في اتعاب النفوس وكد القرائح فيه من القرب والطاعات المفضية إلى جزيل الثواب ولأنه أبعد من التحريف والتبديل وأسلم من التنازع والاختلاف ولأنه لو نزل بألسنة الثقلين كلها مع اختلافها وكثرتها وكان مستقلا بصفة الاعجاز في كل واحد منها وكلم الرسول العربي كل أمة بلسانها كما كلم أمته التي هو منها يتلوه عليهم معجزا لكان ذلك أمرا قريبا من الالجاء تم كلامه وتقريره أنه لما قال لو أرسل بلسان غير قومه كان لقومه حجة ورد عليه أنه مبعوث إلى الكل فلو كان لقومه حجة لو أرسل بلسان غير قومه فإذا أرسل بلسان قومه كان لغير قومه حجة فإنه لو لم يكن لغير قومه حجة إذا أرسل بلسان قومه لم يكن لقومه حجة والجواب أن إرسال الرسول إما بلسان واحد أو بأكثر من لسان واحد وأولى الألسنة لسان قومه لأنهم أقرب إليه ثم إنه استدل على أن النزول يجب أن يكون بلسان واحد من وجوه الأول أنه إذا كان بلسان واحد اتفقت جميع الأمم على كتاب واحد وتعلموا معانيه واستخرجوا بأذهانهم فوائده ولهم في ذلك قرب وطاعات والثاني أن الكتاب الواحد إذا نقل من قوم إلى قوم وهلم جرا إلى سائر الأمم يصير متواترا وبعيدا عن التحريف وسلم من الاختلاف والثالث أنه لو كلم الرسول كل أمة بلغتها على وجه معجز لكان ذلك مما يلجئهم على الإيمان لأن التكلم بالألسنة التي لا تكاد تنحصر ليس بمقدور لواحد من البشر فضلا عن أن يكون كل واحد منها مستقلا بالإعجاز بالنسبة إلى أهل ذلك اللسان حتى لو فرض واحد كذلك لاضطر جميع الأمم على الإيمان قطعا فيكون إيمانهم كإيمان اليأس كالإيمان بعد الكشف عن قوراع الساعة وحضور ملك الموت وغير ذلك ومن ثمة قال قريبا من الالجاء أقول المعجزة إنما هي لإثبات مدعي النبوة دعواه في أنه نبي من عند اللّه فالمعجزات التي أظهرها الأنبياء إن لم توجب جزما وقطعا في الدعوى لم يصح أن تكون دليلا على صدق النبوة وإن أوجبت جزما كانت بمنزلة الالجاء إلى الإيمان لأن الجازم في ثبوت دعوى المدعي يضطر إلى قبولها ولا يسعه انكارها .